سعيد عطية علي مطاوع
219
الاعجاز القصصي في القرآن
ز - وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : " قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ " ( الأعراف : 143 ) . قال فإن آية البقرة وهي قوله : " حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " ( البقرة : 55 ) ، تدل علي أن قوله ، ولم يثبت في التوراة أنه سأل الرؤية إلا وقت حضور قومه معه ، وسؤالهم ذلك 34 . ومن هذا العرض يتقرر أن القصص القرآني له سماته التي تميّزه وله خصائصه الفنية التي ترقي به عن متناول المخلوقين ، وأنه لم يلابسه شيء من الخيال القصصي ، ولم يدخل عليه شيء غير الواقع ، إذ هو ليس عملا فنيا مستقلا ، في موضوعه ، وطريقة عرضه ، وإدارة أحداثه ، كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة التي ترمي إلى أداء غرض فني مجرد . إنما هو - إلى جوار كونه عملا فنيا - خاضع في موضوعه ، وفي طريقة صوغه ، وإدارة حوادثه لمقتضى الأغراض الدينية ، ومع ذلك فإنه ليشتمل - مع قيامه على الحقائق المطلقة من ألوان الإثارة والتشويق ما لم يشتمل عليه غيره من القصص . وبتعبير آخر نقرّر أن القصة القرآنية تخاطب العقل بأصدق منطق وأوضحه وهي في الوقت ذاته تخاطب الوجدان والمشاعر بأقرب حديث إليها وأحبه - كما هو الشأن في سائر التعبيرات القرآنية - إذ يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير في الوجدان ، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية ، والوجدان الذي يدرك الجمال الفني الرفيع ويتأثر به يصبح وجدانا حسن الاستعداد لاستقبال المؤثرات الدينية والتأثر بها . " ومن ثم كانت الوحدة في القصة القرآنية علي غير ما عهد المخلوقون من أدباء ونقاد ، فهي وحدة في الموضوع ، ووحدة في الجو ، ووحدة في النسق ، ووحدة في المنهج التأثيري ، ووحدة في المسار القرآني علي عمومه ، فالقصة في سور القرآن جزء منها متلاحم أتم التلاحم لا نحس تباينا ، ولا نجد افتراقا ، فالقصة في السورة مثل الآية فيها ، تمثل اللبنة في البنية المحكمة القوية " 35 .